سيد قطب
3817
في ظلال القرآن
ثم نزل في صورة مطر . وأخرج من الأرض مرعاها وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام وتعيش عليه الأحياء مباشرة وبالواسطة . . وكل أولئك قد كان بعد بناء السماء ، وبعد إغطاش الليل وإخراج الضحى . والنظريات الفلكية الحديثة تقرب من مدلول هذا النص القرآني حين تفترض أنه قد مضى على الأرض مئات الملايين من السنين ، وهي تدور دوراتها ويتعاقب الليل والنهار عليها قبل دحوها وقبل قابليتها للزرع . وقبل استقرار قشرتها على ما هي عليه من مرتفعات ومستويات . والقرآن يعلن أن هذا كله كان : « مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » . . فيذكر الناس بعظيم تدبير اللّه لهم من ناحية . كما يشير إلى عظمة تقدير اللّه في ملكه . فإن بناء السماء على هذا النحو ، ودحو الأرض على هذا النحو أيضا لم يكونا فلتة ولا مصادفة . إنما كان محسوبا فيهما حساب هذا الخلق الذي سيستخلف في الأرض . والذي يقتضي وجوده ونموه ورقيه موافقات كثيرة جدا في تصميم الكون . وفي تصميم المجموعة الشمسية بصفة خاصة . وفي تصميم الأرض بصفة أخص . والقرآن - على طريقته في الإشارة المجملة الموحية المتضمنة لأصل الحقيقة - يذكر هنا من هذه الموافقات بناء السماوات ، وإغطاش الليل ، وإخراج الضحى ، ودحو الأرض وإخراج مائها ومرعاها ، وإرساء جبالها . متاعا للإنسان وأنعامه . وهي إشارة توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع ، الصالحة لأن يخاطب بها كل إنسان ، في كل بيئة وفي كل زمان ، فلا تحتاج إلى درجة من العلم والمعرفة ، تزيد على نصيب الإنسان حيث كان . حتى يعم الخطاب بالقرآن لجميع بني الإنسان في جميع أطوار الإنسان ، في جميع الأزمان . ووراء هذا المستوي آماد وآفاق أخرى من هذه الحقيقة الكبرى . حقيقة التقدير والتدبير في تصميم هذا الكون الكبير . واستبعاد المصادفة والجزاف استبعادا تنطق به طبيعة هذا الكون ، وطبيعة المصادفة التي يستحيل معها تجمع كل تلك الموافقات العجيبة . هذه الموافقات التي تبدأ من كون المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها أرضنا هي تنظيم نادر بين مئات الملايين من المجموعات النجمية . وأن الأرض نمط فريد غير مكرر بين الكواكب بموقعها هذا في المنظومة الشمسية . الذي يجعلها صالحة للحياة الإنسانية . ولا يعرف البشر - حتى اليوم - كوكبا آخر تجتمع له هذه الموافقات الضرورية . وهي تعد بالآلاف ! « ذلك أن أسباب الحياة تتوافر في الكواكب على حجم ملائم ، وبعد معتدل ، وتركيب تتلاقى فيه عناصر المادة على النسبة التي تنشط فيها حركة الحياة . « لا بد من الحجم الملائم ، لأن بقاء الجو الهوائي حول الكوكب يتوقف على ما فيه من قوة الجاذبية . « ولا بد من البعد المعتدل لأن الجرم القريب من الشمس حار لا تتماسك فيه الأجسام ، والجرم البعيد من الشمس بارد لا تتخلخل فيه تلك الأجسام . « ولا بد من التركيب الذي تتوافق فيه العناصر على النسبة التي تنشط بها حركة الحياة ، لأن هذه النسبة لازمة لنشأة النبات ونشأة الحياة التي تعتمد عليه في تمثيل الغذاء . « وموقع الأرض حيث هي أصلح المواقع لتوفير هذه الشروط التي لا غنى عنها للحياة ، في الصورة التي